GVO

dimanche 4 juin 2017

قراءة في كتابين و قراءة في نفسي

أنهيت للتوّ قراءة كتاب مترو حلب للروائية السورية مها حسن و كالعادة التهمت الكتاب في وقت قياسيّ   و لكنّه ظلّ يسكنني فخوض هكذا تجربة في القراءة  ليس بالأمر الهيّن أو السهل خاصّة في خضمّ ما نعيشه من أحداث على الصعيد الوطنيّ و العالمي . بدأت قراءة الرواية مباشرة بعد قراءة كتاب آخر يتناول موضوع الحرب و أنا أتحدّث عن مذكرات حرب كتبتها سعاد العميري و عنونتها :"كابوتشينو في رام الله"و قد التهمت ذاك الكتاب في نسخته الفرنسية في ساعتين أو أقلّ . نعم صرت ألتهم الكتب هربا من  الأخبار و من شبكات التواصل الاجتماعيّ كلّ القرف الذي نعيش فيه . نعم وجدت في الكتب التي ابتعدت عنها نوعا ما في السنين الأخيرة ملاذا و مهربا و ميناء سلام . لكن الكتابين مازالا يسكنان داخلي بل و يقضّان 
مضجعي حتى أنّ الكوابيس لازمتني و جعلت نومي متقطّعا .




 أهو الخوف ؟ أهو تأثير مشاهد الحرب و الدمار التي أتقنت الكاتبتان كلّ بطريقتها رسمها بالحروف و الكلمات  فالجمل و الفقرات ؟ أهو الحديث عن الرصاص و القنابل و الحواجز الأمنية و المدافع و الرشاشات و جثث المدنيين المتراكمة هنا و 
هنافي فلسطين و في سوريا ؟

لا أعتقد أنّ ما أقضّ مضجعي هو الخوف أو أيّ من الأسباب التي ذكرت أعلاه بل هو الشعور بالعجز أمام الخراب و الحرب و المنفى و عبثية الحياة و القدر . نشاهد يوميا كمّا هائلا من البشاعات و الفظاعات نأكل نشرب و نلتهم الافطار أمام شاشاتنا التي تنقل لنا بصورة مباشرة صور حمامات الدم و الأشلاء الآدمية المبعثرة هنا و هناك حول الكرة الأرضية و خاصة في الأراضي العربية قد نذرف دموعا و قد نكتفي بالتعليق فقد أصبحت هذه المشاهد قدرنا اليوميّ حتى طبّعنا معها و صارت حالة عادية . و حتى أنّنا بتنا نستغرب اذا لم يبلغ مسامعنا خبر تفجير هنا أو مجزرة هناك . قرأت الكتابين و فيما بينهما ضرب الارهاب في وطني . اختطف راع  ليعثر على جثّته بعد يوم . نعم قتل خليفة السلطاني ليلتحق بأخيه الراعي  الذي اختطفت أيادي الارهاب روحه منذ أكثر من عام. و هاهي زعرة أمّ ثكلى مرّتين . من الحرب الى الحرب من الاغتراب الى الاغتراب من عبثية الحياة الى عبثية الحياة . فالغربة يمكن أن تعاش في الوطن و ها أنا أشعر بالغربة في وطني .إحساس بالغربة خلت أنّني تخلّصت منه  نهائيا مع صعود الديكتاتور في الطائرةو لكن هيهات تسارع الأحداث و تعدّدها أثبت لي أنّني لازلت هنا غريبة . فأنا لست مواطنة بعد و لا أعرف عن الحريّة و الشغل و الكرامة الوطنية رغم ما تحمله اليكم شاشاتكم عن نجاح الثورة التونسية و عن ارساء الديمقراطية و عن العدالة الانتقالية فلا نوبل للسلام و لا التصفيق والانحناء  أمام انجازات الشعب التونسي كفيلة بتغطية الحقيقة خاصّة بالنسبة للمهمّشين و الذين كانوا وقود المعركة و خرجوا للشوارع مواجهين الرصاص الحيّ و جنون قوّات الأمن المتغطرسة التي زاد تغطرسها يوما بعد يوما فباتت تبثّ الرعب .عوض أن تقوم بدورها في حمايتنا نحن المواطنين فالحال هو الحال و الوجع هو الوجع  و الطعم هو الطعم طعم المرارة و العلقم مع بهارات بطعم الدم و الارهاب . و أنا أتحدّث عن الشغل و الحرية و الكرامة تعود الى ذهني بعض أحاديث تبادلتها مع صديقتي و حبيبتي ووالدتي و نحن نتسامر ليلة أمس حدّثتهم أمّي عن لينا الطفلة تلك التي تعضّ أياديها حت تدميها اذا ما اغتاظت و تلك المتمرّدة التي هربت و هي في سنّ الثانية و لم تخف من الشارع ذلك العالم الغريب عليها و لينا التي قامت بكسر باب الحديقة لتتمكن من الهروب و الخروج للالتحاق بأصدقاء يقطنون في نفس الشارع و لينا التي تسوّرت  سياج الحديقة  رغم قصر قامتها لتخرج و تعانق الشارع و الحياة خارج سور المنزل . هكذا أنا متمردّة رافضة لكلّ أنواع القوانين و الحواجز و توّاقة للحرية وحرية التنقّل . لا أعرف لماذا أتحدّث عن نفسي هنا و أنا التي بدأت هاته التدوينة للحديث عن كتاب فكتابين فها أنا أقصّ دواخل نفسي . هما راويتان و كاتبتان و أنا أكتب لأعبّر أكتب لأرتاح أكتب لأقصّ بعض من همومي و هموم بعض من بنات و أبناء وطني . جمعتنا الثورة ثورة على المحتلّ بأنواعه محتلّ صهيوني , دكتاتور أو دواعش 
جمعتنا الغربة غربة مكانية و غربة روحية .

تروي لنا مها حسن حياة سارة الفتاة السورية التي شاء ت الأقدار أن تهاجرإلى  باريس دون رغبة منها في ذلك و دون أيّ أدنى تخطيط للابتعاد عن حلب و ذلك  بعد مدّة قصيرة من انطلاق الثورة السورية  و التي تعجز الكاتبة عن ايجاد الاسم 
الصحيح لها فأغلب السوريين  صاروا عاجزين عن ايجاد الاسم الصحيح لما يدور في وطنهم فصار الأغلبية يسمّونها أحداثا  
.  تروي لنا مها قصّة سارة بأصوات متعدّدة هدهد الخالة الأمّ و أمينة الأمّ الخالة  و  وليد و عادل و غيرهم و تسيطر النسوة على الأحداث  فيكنّ الشخصيات الرئيسية .و تسافر بنا الكاتبة بين باريس و سوريا و تحديدا حلب و دمشق و تتوقّف بنا أحيانا في اسطمبول أو تمرّ بنا  برهة الى السويد و هي بلدان استقبلت و تستقبل المهاجرين السوريين الفارين من قدر محموم من قدر دام و مجنون . تجد سارة نفسها في باريس صدفة مع خالة خالتها ماتت منذ زمن بعيد لتتعقّد الأمور شيئا فشيئا و لتكتشف أشياء غابت عنها أو غيّبت عنها طوال 30 سنة عاشتها في حلب حيث ولدت و نشأت و عاشت 
و هي تروي لنا قصّة سارة و تأرجحها بين حياتها الجديدة في باريس و رغبتها الجارفة في العودة الى حلب تكشف لنا الكاتبة عن جحيم الحرب في سوريا و عن المعاناة اليومية للسوريات و السوريين و عن حيرتهم امام الاحداث  و الحرب التي اجتاحت الوطن و تكشف لنا عن دواخل سارة و نظرتها لما يحدث هناك فتكتب : "الثورة رفعت أشخاصا من القمامة النفسية و الفكرية و الاجتماعية ,ووضعتهم في المقدّمة . الثورة كانت طوفانا ضخما قلب كلّ شيء ,لكنّه لم يكن طوفانا عادلا كما هي الطوفانات العشوائية المجنونة . طوفان الثورة  ألقى بالبقايا السيّئة  صوب الخارج , و ابتلع أفضل السوريين . الذين ماتوا من أجل الثورة , هم أنبل منّا جميعا . أولئك ماتوا و نحن فزنا بحياة آمنة في الغرب . أما الباقون هناك , فهم ينتظرون هبّات الطوفان , التي اما تبتلعهم و تقذفهم صوب الموت  أو ترميهم  على شاطئ النجاة : أوروبا الفاخرة."   
و هي بذلك تنتقد بعضا من السوريين الذين يحاولون لعب دور زعامة الثورة  في أوروبا متغاضين عن آلام السوريين الذين 
تركوا خلفهم في جحيم الحرب. 

و أنا أقرأ تلك الأسطر أرحل من سوريا و أحطّ في وطني في تونس و تطالعني صور الشهداء و صور أمهات ثكالى تناسى الجميع قضيّتهنّ . فخرج علينا ساسة يدعوننا باسم الرخاء الاقتصادي ّ  الى التصالح مع المافيات الفاسدة دون حساب أو عقاب ضاربين عرض   الحائط بكلّ أركان العدالة الانتقالية و مبادئ الديمقراطية هؤلاء هم نفسهم الذين ترفعهم الثورة من القمامة النفسية و الفكرية و الاجتماعية  ليجدوا أنفسهم في مراكز القرار و في أماكن مرموقة فيتناسون فضل المضحّين الحقيقيين في سبيل الثورة و التغيير . أقرأ تلك السطور فأسمع نواح الأمّهات و أنين الجرحى و أمقت نفسي . نعم فنحن أنت و أنتم و أنا و نحن عاجزون على اعلاء صوت الحقّ

سارة غريبة في باريس و كم أنا في وطني غريبة 
كم كان الحلم جميلا و كم هي مؤلمة النتيجة 
تتفاوت الأضرار و تتعدّد درجاتها و لكنّ الألم واحد و الغربة واحدة

 لحظة فارقة و فاصل 

لمدّة 7 سنوات عرفت الناس الخطأ , أخذت القرارات الخطأ و أكلت الأطعمة الخطأ و اشتريت الحفظات النسوية الخطأ ذهبت   الى الأماكن الخطأ  ووهبت قلبي الى الاحبّة الخطأ و منحت ثقتي للأشخاص الخطأ . تغيّرت العديد من الأشياء في حياتي بعد الثورة   فقط  مبادئي  و ماركةعطري لم تتغيّر أستعمل نفس العطر منذ أكثر من عقد و حتى يوم قررت تغيير الرائحة  سرقت القارورة الجديدة من حقيبتي في مطار تونسيّ.تشبّثت بمبادئي و لازلت أتشبّث و لكن لا شيء يحيط بي سوى العدم .

 كنت مخطئة عندما اعتقدت أنّ الأغلبية يتقاسمون الحلم مع الشباب الثائر على غطرسة و تجبّر دكتاتور كنت مخطئة حين أعتقدت أنّ الساسة  فهموا اللعبة و استخلصوا الدرس . 
مخطئة كنت لمّا اعتقدت أنّ الساسة  سيسعون الى تحقيق مطالب الثورة و ثوّارها و أنّهم سيتنافسون للقضاء على الفقر و التهميش مخطئة لما اعتقدت أنّ شباب وطني سيعرف أيّام خير و أنّ الجميع سينحنون اجلالا امام تضحياتنا و مساعينا الى وطن جميل 
كلّنا نخطئ و لا عيب في  ذلك 
مخطئة أنا الآن و أنا أعتقد أنّني تصالحت مع كلماتي و استرجعت قدرتي على الكتابة فأنا أهذي لا غير . كنت مخطئة لمّا اعتراني نفس الشعور منذ أسبوعين . اذ حبّرت 10 صفحات و أنا على متن طائرة تربط بين  اسطنبول  و تونس في رحلة عودة من بيروت تلك المدينة التي طالما ألهمتني بجمالها و تحرّرها و صخبها و تعدّد ألوانها و لكن ملهمتي ابتعدت عنّي ساخرة ما ان حطّت الطائرة في تونس. فأعدت قؤاءة ما كتبت مرات و مرات و كلّي أمل في استرجاع رغبتي و قدرتي على الكتابة و لكن هيهات ...
شيء ما كسر داخلي . انهيارات و رجّات أرضية  فخراب كليّ
نحبّ الوطن فهل يحبّنا الوطن ؟
حتى متى سنموت ليعيش الوطن ؟ أو لسنا الوطن ؟
لنعيش و يعيش الوطن .
كفانا موتا و دما و خرابا و ألم .

غريبة أنا في وطن نحن فيه أرقام لا غير غريبة في وطن لا يحترم الحريات و الاختيارات الشخصية و ينبذ الحبّ و يعاقب المحبّين غريبة أنا في وطن يتفاخر ساساته بدستور جديد ثوريّ و يزجّون الناس في السجون بقوانين بالية لا علاقة لها بالدستور غريبة أنا في وطن رخص فيه الدم غريبة أنا في وطن تسخّر فيه مؤسسات الدولة و امكانياتها لاقتحام غرف النوم  في البيوت الخاصةو يعجز الجميع عن ايقاف  نزيف الدم و عمليات القتل و مقاومة وحش الارهاب و لكن هل يقاوم الارهاب بالارهاب ؟ و هل بامكاننا الاعتماد على  ارهابيين لمقاومة الارهاب ؟ 

تقول سارة في نهاية الكتاب : الاقامة و الاستقرار في المكان ترف لا نمتلكه نحن أبناء الحرب . نسعى من محطّة الى محطة من هذه المنافي حاملين معنا أراح تسكننا من كلّ محطّة . عليّ التنقّل من مترو باريس الى محطة حلب , و العكس .

و أقول ما جدوى الاستقرار في مكان يخنقنا و يقتلنا يوما بعد يوما . الغربة موجعة غربة المكان و غربة الروح 
فعل القراءة متعة و لكنّ المتعة قد تكون موجعة  تماما كمتعة الجماع لذيذة و موجعة . قرأت الكتابين هربا من ألم  الحياة و أوجاع الوطن و لكن ها أنا الآن أحمل آلامي و آلامهنّ أمينة و هدهد و سارة و هالا و رولا و آلامهم وليد و عادل و لوركا و ذاك الصبي  المجهول الذي غرق في البحر  بعد أن أخذته عائلته في قارب مطاطي من سوريا الى المجهول هربا من حرب 
حوّلت الحلم الى كوابيس و  تلك الفتاة التي سقطت في غزّة و ذاك الشاب الذي مزّق الرصاص جسده في القدس  و  كلّ المجهولات و المجهولين في سوريا في العراق في فلسطي ن و ذاك الرضيع الذي قتلته المجاعة في اليمن ....
موجع هو فعل القراءة 



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire